القرطبي

42

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الغرق ، فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا ، وتطامن الجودي ، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق ، ورست السفينة عليه . وقد قيل : إن الجودي اسم لكل جبل ، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل ( 1 ) . سبحانه ثم سبحانا يعود له * وقبلنا سبح الجودي والجمد ويقال : إن الجودي من جبال الجنة ، فلهذا استوت عليه . ويقال : أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر : الجودي بنوح ، وطور سيناء بموسى ، وحراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . مسألة : لما تواضع الجودي وخضع عز ، ولما ارتفع غيره واستعلى ذل ، وهذه سنة الله في خلقه ، يرفع من تخشع ، ويضع من ترفع ، ولقد أحسن القائل : وإذا تذللت الرقاب تخشعا * منا إليك فعزها في ذلها وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال : كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء ، وكانت لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها ، فاشتد ذلك على المسلمين ، وقالوا : سبقت العضباء ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه " . وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله " . وقال صلى الله عليه وسلم : " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد " . خرجه البخاري . مسألة : نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة . ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن : أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى [ أهل ] ( 2 ) الأرض ، فذلك قوله تعالى : " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " ( 3 ) [ العنكبوت : 14 ] وكان قد كثرت فيهم المعاصي ، وكثرت الجبابرة وعتوا عتوا كبيرا ، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا ، سرا وعلانية ، وكان صبورا حليما ، ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح ، فكانوا يدخلون عليه

--> ( 1 ) نسبه اللسان لأمية بن أبي الصلت وفى ( معجم الياقوت ) : هو لزيد بن عمرو ، وقيل : لورقة بن نوفل . وفى ع : الجمد ، كخدم جمع خادم ، ولعله الأشبه . ( 2 ) من ع ( 3 ) راجع ج 13 ص 332 .